مجد الدين ابن الأثير

359

المرصع في الآباء والأمّهات والأبناء والبنات والأذواء والذّوات

د - الإنسان العربي وعالمه : ومن علاقات المجاورة والمنافسة ينشأ التمييز بين « نحن » و « هم » ، فكل ما هو خارج القبيلة يمكن اعتباره غريبا . وفي مرحلة لاحقة ، ربما في القرن السادس ، تكونت بضعة معارف عن الفرس والروم وحمير والحبشة ، ولذا فقد أوجدوا علامات فارقة ومصطلحات للدلالة على هؤلاء الغرباء ويذكر منهم : بنو سام ، وبنو حام ، وبنو يافث ، وبنو الأحرار ، وبنو الحمراء . وكان لون البشرة دليلهم في تلك المسميات ، وقد أدى التفريق بين ألوان البشرة وألوان الشعر إلى نشوء وظيفة تتعدى ألوان البشرة إلى قيام خصائص ، زعموا أنها ترتبط بوظائف ومراتب اجتماعية « 1 » . ولعل هذا الميل إلى التمييز بلون البشرة يعود إلى ما ذكره ابن إسحاق من أن قوما أشد سمرة من سكان شمال شبه الجزيرة كانوا قد أقاموا فيها في السابق ؛ ومن إنشاء عمر بن الخطاب ديوان الحبشة ، ومن شكوى سيف بن ذي يزن الغربان في الحبشة « 2 » . لكن معرفة العرب لمحيطهم البشري لم تقتصر على تمييزهم بألوانهم ، بل هنالك إشارات إلى أن بعض الشعراء الجاهليين كانوا على معرفة بالخطوط الساسانية أو السورية أو اليمانية ، أو العبرية القديمة . قال الأخنس بن شهاب « 3 » : لابنة حطّان بن عوف منازل * كما رقّش العنوان في الرق كاتب وكان الحارث بن حلّزة طبيب العرب وحكيمهم على دراية بالكتابة الفارسية فيقول : لمن الديار عفون بالحبس * آياتها كمهارق الفرس

--> ( 1 ) انظر : الجاحظ ، رسالة في فخر السودان على البيضان ( هارون ) . ( 2 ) سيرة ابن هشام 1 / 63 ، 507 . ( 3 ) المفضليات ، رقم 41 ، البيت : 1 .